علي الهجويري

142

كشف المحجوب

الموت باقون ببقاء اللّه . يروى أنه أتاه رجل فقال له : يا شيخ ! إني أذنبت كثيرا ، وأحب أن أتوب من ذنوبي قال له شقيق : لقد أتيت متأخرا ، فقال له الرجل : لا ولكني أتيت من قريب ، لأنه من تاب قبل موته فقد أسرع في توبته . هذا وإن سبب إقبال شقيق على اللّه تعالى ، أنه حدث في بلخ جدب ، أكل الناس بعضهم بعضا فيه وأصاب المسلمين شدة ، فرأى شقيق شابا يضحك ويبتهج في السوق ، فقال له الناس أما تستحى من ضحكك مع حزن الناس ؟ فقال لهم الشاب : إن سيدي ، الذي يملك قرية ، قد أعفانى من الاشتغال بمعيشتى فقال شقيق : اللهم إن هذا الشاب لم يشتغل بهم معيشته ، لأن له سيدا يملك قرية واحدة ، وهو مسرور بذلك ، وأنت ملك الملوك ، وقد تكفلت بأرزاقها ، ولكن قلوبنا قد امتلأت حزنا بانشغالهم بحطام الدنيا ، اللهم فخلص قلوبنا إليك فرجع إلى اللّه واتبع طريقة الصوفية ، ولم يشتغل بعد بقوت يومه . وكان يفتخر بعد ذلك ويقول : « لقد تتلمذت على شاب ، وتلقيت كل ما أنا فيه عنه » . وهذا يدلك على صدق تواضعه وله مناقب كثيرة واللّه أعلم . 17 - ومنهم شيخ زمانه ، المجرد في طريق الحق ، أبو سليمان عبد الرحمن ابن عطية الدارانى . كان شهيرا عند أهل عصره ، وقد لقبوه بريحانة القلوب ، وامتاز بشدة تقشفه ، وانشغاله بمجاهدة نفسه وكان عالما بعلم الوقت ، وخفيات النفوس ودسائسها ، وكانت له فراسة شديدة في أمراضها ، وله عبارات دقيقة في المجاهدة ، والمراقبة بالقلب والجوارح . ويروى أنه قال « إذا غلب الرجاء على الخوف فسد الوقت » لأن الوقت هو المحافظة على الحال ، الذي يبقى بدوام الخوف . ومن وجه آخر إذا غلب الخوف على الرجاء فقد التوحيد ، لأن شدة الخوف بسبب اليأس والقنوط من روح اللّه شرك . لذلك فكمال التوحيد بالرجاء الحقيقي ، وإثبات الوقت بالخوف الحقيقي ، وأكمل الحالات أن يكون الخوف والرجا المتصل بالمشاهدة ،